الأستاذ شمس للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

. طلبت من السواق ينزلني وبدون مقدمات دخلت لقلب المقابر، والغريب إني حسيت بالطمأنينة وسط الأموات أكتر من إحساسي بيها وسط الأحياء، لحد ما وصلت لقبر أبويا، وصلت وأنا باصة في الأرض مش قادرة أرفع راسي، كأنه حي وكأني جاية أعترف بالمص’يبة اللي عملتها..

وأول ما وقفت قدامه انهر’ت، وبكيت بأعلى صوت، وبدأت أنادي عليه، أترجاه يقوم ويجبلي حقي، ناديت وقولت: ـ يا بابا فاكر لما الواد عاكسني وضربته قدام المدرسة كلها، فاكر لما قولت إنك هتكسر دماغ أي حد يبصلي بصة واحدة بس، أنا محتاجاك دلوقتي تض’رب الجامعة كلها، تهددهم، تخوفهم، استفردوا بيا بعد موتك يا بابا، لو كنت موجود مكنش حد استجرى يلمسني، أنا غلطت يا بابا وغلط كبير أوي، بس أنت لازم تجبلي حقي، أنا حياتي كلها اتدمرت في غيابك يا بابا، رد عليا يا بابا متسبنيش أنا بنتك.

. وانهرت أكتر من البُكا لدرجة إني حضنت القبر، وفجأة اتنفضت على صوته، كان صوته الضخم، المُرعب، سمعته بيقول: ـ يا خسارة تربيتي فيكي يا هند.. بصيت عند آخر الحارة وشوفته، بجسمه الضخم، وكان ماسك الجلدة اللي كان بيضرب بيها العيال، وعنيه كانت عبارة عن جمرة ملتهبة، وقعت مكاني مقدرتش أهمس، ولا أنطق بنص كلمة، وبدون تفكير لقيته نزل على جسمي بالجلدة، وحسيت بالن’ار بتاكل في جس’مي، وبدأت أص’رخ بأعلى صوت: ـ سامحني يا بابا، سامح’ني بالله عليك.

. ونزل من تاني بالجلدة على جسمي بصورة أشد، لدرجة إني حسيت بالنار بتاكل في جسمي، ضربة ورا ضربة لحد ما الدنيا كلها ضلمت وفقدت الوعي، ولما فُقت سمعت صوت ذكوري خشن، صوت خلى جسمي كله يتنفض، صوت حد بيقول: ـ ألحق ياد شوف البت اللي واقعة هناك دي.

. ـ بقولك إيه أنا مش هقدر أمسك نفسي أنا اللي هدوقها الأول.. جسمي اتنفض أكتر وأكتر، وأول ما قربوا مني وأنا مش قادرة أتحرك ولا أهمس سمعت واحد بيقول: ـ دي هند بنت الأستاذ شمس.. ـ مدير المدرسة الإعدادية؟؟ ـ أيوة يابني.. ـ طيب ده مات من زمان..

ـ ولو مات حتى، أنت نسيت هددنا زمان وقال اللي هيل’مس بنتي هك’سر راسه، أنا استحالة ألمسها ولو فيها موتي.. وه’ربوا الاتنين، هربوا وشوفت وقتها أبويا واقف مبتسم، وباصص في عنيا بنظرة غريبة، كأنه بيقولي أنا كنت صح، أنتي اللي كنتي غلط، بكيت أكتر وقولتله: ـ سامحني يا بابا.

. وجريت من المقابر، جريت ورجعت البيت وأمي مقدرتش تنتقدني لرجوعي متأخر، لأني دايما بزعقلها، دخلت جروبات الدفعة وأنا ببكي بهيست’ريا ملقتش ولا صورة، ولا حد بيتكلم عليا من الأساس، اتصلت بصاحبتي لقيتها بتضحك بهي’ستريا وبتقولي ده هما صورتين صورتهملك من ضهرك ومش باين وشك أصلًا، ومفيش حاجة نزلت على جروب الدفعة أنا كنت بهزر معاكي، قفلت معاها، قفلت وقدام عنيا صورة أبويا.

. أبويا اللي كان دايمًا بيقول يمكن أنا شديد عليكم بس هتعرفوا مستقبلًا أنا ليه كنت شديد، الدنيا وحشة أوي، وصديق الس’وء ممكن يد’مرك، والعا’دات السيئة اللي هتمشي عليها من صغرك هتبقا إدمان لما تكبر.. البنت مهما حصل لازم تفضل عفي’فة لحد ما تمو’ت، والشاب مينف’عش يعاكس بنات ولا يد’خن، ولا يقعد زي قطاع الطُرق في الشوارع، يمكن أنا شد’يد، بس لما أمو’ت هتعرفوا أنا ليه كنت شد’يد، هتعرفوا إن ده مش تسلط مني على قد ما كان خوف عليكم، وحبًا فيكم، لأني كنت فاهم الدنيا أكتر منكم.

. وقتها افتكرت كل بنت بتشتكي من شِدة أبوها عليها، واتمنيت إنها تعرف إن ده حُب وخوف منه، وإن الأب مصدر أمان للبنت لو راح، هتشوف الدنيا على حقيقتها وهتتمنى يرجع ولو هيكون أشد عليها ألف مرة، بس يرجع.. [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
اT

المملكة_ The Kingdom ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
190مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان