الحج نوح للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

نُشر منذ 5 أيام
حفظ
غلاف المقال

أبويا كان متعود يعلق المفاتيح بتاعته ورا باب البيت على طول كل ما كان بيرجع من الصلاة، لدرجة إني كنت بعرف أبويا في البيت ولا لا من وجود المفاتيح في مكانها، وكان كل وقت صلاة لازم يكون في المسجد لدرجة إني مش فاكرة إن أبويا ضيع صلاته ولو مرة واحدة في المسجد حتى لو كان تعبان وبيمـ ـوت، ولما كنت بحاول أخليه يصلي في البيت لأي سبب كان بيحكيلي قصة سيدنا موسى والخِضر لما طلعوا الكنز للغلامين والسبب إن أبوهم كان رجل صالح، وإن صلاحه ده لآخرته وكمان ليا أنا وأختي الصغيرة، لأن الرجل الصالح في الغالب ربنا بيحفظ ذريته.

. كلامه كان عامل زي البلسم تسمع منه تلاقي دموعك بتنزل في صمت، لدرجة إني كنت بحمد ربنا إن أمي مـ ـاتت وربنا عوضني بأب عوضني عن الدنيا كلها، لحد ما من أيام بس بدأ أبويا يحكيلي عن كل مفتاح في سلسلة المفاتيح واللي كانوا ٤ مفاتيح، اتنين بتوع البيت وواحد بتاع الأوضة الجوانية والأخير بتاع المقـبرة اللي هيتدفن فيها، كلامه خلى قلبي يتقبض.

. سألته عن السبب اللي يخليه يقول حاجة زي دي دلوقتي، لقيته بيقول إنه قلقان يوم مـ ـوته لأني بنت ومش هعرف أتصرف، عشان كدا لازم أكون عارفة كل حاجة، اشترى الكفن وحطه في الدولاب، أداني رقم المُغسل اللي هيجي يغسله ويكفنه ويجيب التابوت، مفاتيح المقبرة هديها لصاحبه (عم أشرف) عشان يدفنه فيها، وأداني رقم دكتور الصحة اللي هيجي عشان يطلع شهادة الوفاة، كل ده وأنا مذهولة ومش مستوعبة إيه اللي يخليه يجيب السيرة دي دلوقتي.

. حضـني يومها حضـن طويل ودخل نام وكانت نومته الأخيرة، صحيت يومها على أذان الفجر مخضوضة، أول مرة أصحى على الأذان لأن أبويا كان بيصحيني دايمًا قبله، روحت أصحيه لقيته مبيتحركش، حاولت معاه كتير واتأكدت من جوايا إنه مات، ورغم حجم المصيبة اللي وقعت فيها إلا إني فرشت المصلية وصليت السُنة وبعدها صليت الفجر ودعيت ربنا يصبرني عشان أقدر أتعامل مع الموقف الصعب ده.

. بعد صلاة الفجر لقيت الباب بيخبط، الناس في الجامع بيسألوا عليه وليه مجاش الصلاة انهاردة، ودخلوا عليه وشوفت الألـ ـم والحزن على كل الوجوه، وفي ظرف نص ساعة كان أهل الشارع كلهم قدام بيتنا، وكل واحد كان بيعمل حاجة عشان جنازة (الحاج نوح) أبويا رحمة الله عليه، وعلى بعض الضهر وقبل طلوع الجنازة سلمت المفاتيح لعم أشرف صاحب أبويا وقالي إنه عارف المقبرة وهيدفنه وطمني بكلامه للنهاية.

. وطلعت الجنازة من الجامع اللي قدام البيت وطلع وراها أهل البلد كلهم، يمكن كانت أكبر جنازة طلعت من سنين طويلة رغم إنها مكنتش يوم أجازة، واتدفن أبويا ورجع الناس لبيوتهم من تاني، وجالي عم أشرف سلمني المفاتيح وواساني بكلمتين وقالي لو احتجت حاجة لازم أكلمه وشكرته وقفلت الباب.

. قولت إني مش هستقبل حد، العزاء بدعة وأنا مش هعمل بدعة في والدي الراجل الصالح، وكمان أنا فعلًا مش قادرة أستقبل أي حد، ونمت يومها نوم طويل أوي، وصحيت في نص الليل عشان ألحق صلاة القيام والفجر لأني مكنتش صليت ولا المغرب ولا العشاء كمان.

. وبعد صلاة الفجر والدعاء والبكاء سمعت صوت حركة المفاتيح المتعلقة ورا الباب، كان صوتها ضعيف أوي بس سمعته لأن المكان كان صامت تمامًا، قمت من مكاني وروحت ناحيتها، بصيت للمفاتيح وبدأت أحس بإحساس غريب أوي، قلبي بيدق بع,نف كل ما ببص للمفاتيح، وكأني شايفة حاجة لا يتحملها إنسان، أصرف نظري عنها دقات قلبي ت,هدى تمامًا، أرجع أبص للمفاتيح من تاني قلبي يدق بعنف شديد، لدرجة إني كنت هقع مكاني من الإجه,اد والخوف.

. رجعت لسريري ونمت، وأول ما نمت لقيت نفسي قدام قبر أبويا وهو واقف في صمت تام هناك، بنفس الطيبة والبراءة اللي جواه، بس الاختلاف الوحيد كانت عنيه، كان فيها حزن وقلق ولقيته بيبص ناحيتي وبيقول: ـ المفتاح... المفتاح في إيد مين؟؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
اT

المملكة_ The Kingdom ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
185مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان